الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أحد ، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخّرا . وذكر الواحدي في أسباب النزول ، عن المفسّرين : أنّ أول هذه السورة إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 84 ] نزل بسبب وفد نجران ، هو وفد السيد والعاقب ، أي سنة اثنتين من الهجرة ، ومن العلماء من قالوا : نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال ، وكان نزولها في وقعة أحد ، أي شوال سنة ثلاث ، وهذا وأقرب ، فقد اتفق المفسّرون على أنّ قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ آل عمران : 121 ] أنّه قتال يوم أحد . وكذلك قوله : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران : 144 ] فإنّه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ويجوز أن يكون أولها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إلى حديث وفد نجران ، وذلك مقدار ثمانين آية من أولها إلى قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ [ آل عمران : 121 ] قاله القرطبي في أول السورة ، وفي تفسير قوله : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ [ آل عمران : 79 ] الآية . وقد تقدم القول في صدر سورة الفاتحة : إنّنا بينا إمكان تقارن نزول سور عدّة في مدة واحدة ، فليس معنى قولهم : نزلت سورة كذا بعد سورة كذا ، مرادا منه أنّ المعدودة نازلة بعد أخرى أنّها ابتدئ نزولها بعد انتهاء الأخرى ، بل المراد أنّها ابتدئ نزولها بعد ابتداء نزول التي سبقتها . وقد عدت هذه السورة الثامنة والأربعين في عداد نزول سور القرآن . وعدد آيها مائتان في عدّ الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع وتسعون . واشتملت هذه السورة ، من الأغراض : على الابتداء بالتنويه بالقرآن ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وتقسيم آيات القرآن ، ومراتب الأفهام في تلقّيها ، والتنويه بفضيلة الإسلام وأنّه لا يعدله دين ، وأنّه لا يقبل دين عند اللّه ، بعد ظهور الإسلام ، غير الإسلام ، والتنويه بالتوراة والإنجيل ، والإيماء إلى أنّهما أنزلا قبل القرآن ، تمهيدا لهذا الدين فلا يحقّ للناس ، أن يكفروا به ، وعلى التعريف بدلائل إلاهية اللّه تعالى ، وانفراده ، وإبطال ضلالة الذين اتّخذوا آلهة من دون اللّه : من جعلوا له شركاء ، أو اتّخذوا له أبناء ، وتهديد المشركين بأنّ أمرهم إلى زوال ، وألّا يغرّهم ما هم فيه من البذخ ، وأنّ ما أعدّ للمؤمنين خير من ذلك ، وتهديدهم بزوال سلطانهم ، ثم الثناء على عيسى - عليه السلام - وآل بيته ، وذكر معجزة ظهوره ، وأنّه مخلوق للّه ، وذكر الذين آمنوا به حقا . وإبطال إلاهية عيسى ، ومن ثمّ أفضى